متابعة - حمد الوهيبي:
الدعوة إلى الله وتوحيده، هي دعوة رسل الله جميعاً من لدن آدم
عليه السلام وحتى خاتمهم وسيِّدهم محمد بن عبدالله صلى الله
عليه وسلم، لم يتخلوا عنها وإن خالفهم قومهم وعانوا في سبيل ذلك ما عانوا، فالشرك ظلم وهضم لحق المولى عزَّ وجلَّ {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)} [لقمان]· وهذه الدعوة، دعوة التوحيد قائمة إلى قيام الساعة، وهي مهمة كل مسلم أن يتعلمها ليعلمها حتى يرث الله الأرض ومَن عليها· هكذا تحدث المفتي العام للمملكة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ في محاضرته التي جاءت تحت عنوان “أهمية الدعوة إلى التوحيد” ضمن دروس الدورة العلمية التي تقيمها مؤسسة الدعوة الخيرية لكبار العلماء··
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين· أما بعد: إن الله جلَّ وعلا خلق الخلق لعبادته، فقال جلَّ وعلا: {َمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات]· فأخبرنا ربنا عن حكمته العظيمة في خلق الثقلين الجن والإنس، وأنه إنما خلق الثقلين لغاية عظيمة هي عبادة الله وحده لا شريك له وإخلاص الدين له، ما خلقهم ليستكثر بهم من قل ولا ليستعز بهم من ذل، ولا ليستغني بهم من فاقة فهو الغني الحميد القوي العزيز الذي يُطعِم ولا يُطعَم·
عبادته جلَّ وعلا
خلقهم ليعبدوه وحده لا شريك له، ليخلصوا له توجه قلوبهم وجوارحهم، خلقهم ليعبدوه، ليقوموا بحق العبودية على الحقيقة فتتأله قلوبهم رب العالمين محبةً وخوفاً ورجاءً، خلق الله أبا البشر آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وبوأه الجنة وأباحها كلها له ولزوجه إلا شجرة واحدة عيَّنها وبيَّنها {وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)} [الأعراف]، ولكن عدو الله إبليس الذي تكبَّر عن السجود لآدم والذي كان تكبره سبباً للعنته، وإهباطه من ملكوت السموات وجعله شيطاناً رجيماً قائداً إلى كل رذيلة إلى يوم القيامة سعى في إضلال آدم وإغوائه ووسوس إليه حتى أكل من تلكم الشجرة فعند ذلك عصى آدم ربه فغوى· ثم اجتباه ربه فتاب
عليه وهدى، فأهبط الله آدم وزوجه إلى الأرض وقال لهما {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)} [الأعراف]· لأن إسكان آدم الأرض ليعمرها بطاعة الله، إذ الجنة دار الكرامة والنعيم، وأما الأرض فهي دار العمل الدار التي يتعلق بسكانها العمل، إما خيراً وإما شراً، قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [البقرة : 30]·
عقيدة صافية
أجل إن الله يعلم ما تعلم الملائكة، يعلم أنه سيكون من البشر الأنبياء والمرسلون، والأولياء والصالحون والقائمون بحق الله والساعون في الأرض بالإصلاح، الذين يعمرون الأرض بطاعة الله ويقيمون عليها شرع الله، مكث آدم في الأرض، ثم أدركه الموت، واستمر أبناؤه وذريته على هذا الدين موحِّدين لله، عابدين لله، مخلصين لله أقوالهم وأعمالهم، لا إله غير الله يعبدونه، ولا إله غير الله يرجونه، ليس عندهم شرك ولا ضلال وإنما هم على العقيدة الصافية والمنهج الحق، والطريق المستقيم {ِفطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)} [الروم]·
ومضت حقبة من
الزمن يقدِّرها المفسرون بما يقارب عشرة قرون والتوحيد ظاهر والشرك غير موجود، لا وجود له أصلاً ولكن عدو الله إبليس وهو يرى هذه العبادة الحقة ويرى هذا الدِّين الحق غاظه ذلك وسعى بما سعى به حتى أوقع بني آدم في الشرك، فأتى إلى قوم نوح إذاك وقال لهم إن صالحيكم مضوا وانقضت أخبارهم واندرست آثارهم فلم يبق لهم أثر ولا خبر، لماذا أهملتم الصالحين ولماذا تناسيتم المتقين ولماذا ضيّعتم صور العابدين؟ ولماذا تجاهلتم تلك الحقبة العظيمة؟ ما الطلب؟ صوروا صورهم واجعلوها في مجالسكم حتى إذا رأيتموها عدتم إلى ماضيهم المجيد وأخذتم بطريقهم الحميد وسرتم على ما ساروا
عليه من الحق الواضح المبين، فعن حسن نيّة وغفلة عن وزن الأمور صوّروا صور الصالحين ونصبوها في مجالسهم واستمروا على هذا سنين حتى جاء عدو الله لأقوام ليس عندهم إدراك ولا علم ولا بصيرة بالأمور، وقال لهم: إنما صوَّر سلفكم صور صالحيهم لأجل أن يستقوا بهم المطر ويستجلبوا بهم النفع ويدفعوا عنهم الضرر·
عبادة الصور
هؤلاء أقرب إلى الله منكم وأولى باستجابة الدعاء منكم وأنتم بعيدون عن الله بخطاياكم وتقصيركم وهؤلاء الصلحاء الماضون لا تزال ذكرياتهم موجودة فادعوهم واعكفوا على صورهم واصرفوا لهم الدعاء، ادعوهم واجعلوهم وسائط بينكم وبين ربكم ليتحقق لكم المطلوب وتنالوا الخير، فظنوا كلامه حقاً فعبدوا الصالحين من دون الله {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (23)} [نوح]· هذه الصور عكفوا عليها واتخذوها إلهاً من دون الله، صرفوا لها الدعاء، فبدل أن يقولوا يا الله، قالوا يا ودُّ ويا سواع ويا يغوث، وبدلاً من أن تتوجه القلوب إلى الله وترفع الأكف إلى الله، أصبحت العبادة لتلك الصور يرجعونها ويعيدونها ويستغيثون بها ويلجؤون إليها ويحلفون بها ويستغيثون بها ويظنون أنها تحقق النفع وتدفع الضَّر وأنها وأنها، وقد يكون شيء فيظنون أن ذلك هو الحق، فد يبتلون ببلاء فتنة لهم، فيزدادون بعداً عن الهدى· فلما وقع الشرك في الأرض وفي قوم نوح، بقية ذرية آدم ووقع فيهم عبادة غير الله، وقع فيهم مخالفاً لما لأجله خلقهم، فالله خلقهم ليعبدوه وهؤلاء عبدوا تلك الصور وظنوا أن تلك الصور، صور الصالحين تنفع وتشفع وتتوسط بينهم وبين الله، فبعث الله نوحاً
عليه السلام، بأي شيء بعثه؟ بعثه
بالتوحيد الخالص، بأي شيء بدأ؟ بدأ بالتوحيد، {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ (59)} [الأعراف]· قوم نوح يعبدون الله ولكن أضافوا مع عبادة الله، عبادة غيره، عبدوا غير الله بالخضوع والذل والدعاء والتوجه والتضرع واعتقاد أنه لا يصلهم من الله إلا بواسطة أولئك المدعوين المعبودين من دون الله، نوح
عليه السلام بعث بهذه العقيدة، فمكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، تسعة قرون، تسعمائة وخمسين سنة وهو يدعوهم إلى توحيد الله {َقالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً(6)وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (7) ثمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً(8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً(10) يرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً} [نوح]·
هكذا قال، وحقاً وصدقاً ما قال ونحن نشهد له
عليه السلام أنه بلَّغ قومه رسالة ربه، فدعاهم ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً يجاهدهم إلى أن يبعدوا الله وحده وهم متمسكون بأصنامهم ومعبوداتهم وضلالاتهم وهو يناظرهم ويقيم الحجة عليهم وهو يسخرون به وبدعوته {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود]· وقالوا له لطول مقامه: {قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ (33)} [هود]· هذا النبي جاهد في الله حق الجهاد، ولكن كما قال الله { ومَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40)} [هود]· يتواصى قومه بعدائه، فيولد المولود ويشب على عداء نوح ويحضره الموت ويوصى آباءه بجهاد نوح وهو صابر محتسب على كل بلاء أصابه إلى أن دعا الله عليهم فأغرق الله أهل الأرض ونجَّى نوحاً وأتباعه·
رسالات التوحيد
عند ذلك تتابعت الرسالات، فبعث الله هوداً
عليه السلام بما بعث به نوحاً
عليه السلام {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} [الأعراف]· وقالوا له: {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(70)} [الأعراف]·
يا إخواني نوح دعا إلى توحيد الله وإلى إخلاص الدين له وهم يقولون له: {ِإن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56)} [هود]· وصالح يقول لقومه: {يا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ(73)} [الأعراف]· وشعيب يقول لقومه: { اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ (73)} [الأعراف ]· وإبراهيم وموقفه من قومه وتحطيمه الأصنام والأوثان وإعلانه البراءة من الشرك وأهله { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (27)} [الزخرف]· وموسى
عليه السلام يقول لقومه لما قال الله عنهم {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)} [الأعراف]·
توحيد العبادة
أيها الإخوة، فدعوة الرسل كلهم هي دعوة إلى توحيد الله، فلأهمية التوحيد وعظيم شأنه وكبير قدره، أنه مبدأ دعوة كل رسول من نوح إلى خاتمهم وسيدهم وأكملهم وأفضلهم محمد بن عبدالله الذي دعا إلى توحيد الله وإخلاص الدين لله وتلا القرآن على قومه فكان ما كان·
هذا التوحيد اجتمعت
عليه الرسل كلهم وهي دعوة الرسل {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء]· هذا التوحيد الذي دعت إليه كل الخلائق {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل]· هذا توحيد العبادة، الذي لأجله خلقنا الله فإن الإقرار بربوبية الله وأنه رب كل شيء وخالقه ومليكه والمتصرف فيه أمر مستقر في الفطر لا إشكال في ذلك ولكن الخصومة بين الرسل وقومهم إنما هي في توحيد العبادة، الرسل يقولون لأقوامهم اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، لا تجعلوا مع الله معبوداً كائناً من كان ملكاً، نبياً، ولياً، صالحاً أو جماداً أو غيره، اجعلوا العبادة لله واجعلوا القلب يتعلق بالله ولا تزاحموا الله في حقه، فإنكم إن عبدتم غيره فقد اتخذتم ذلك المعبود إلهاً ونداً لله فصرفتم له خالص حق الله·
إن المشركين قديماً وحديثاً يتعلقون بأمور، أولاً: يقولون هؤلاء المعبودون عبدناهم لأجل أن يشفعوا لنا عند الله، فأبطل الله تلك الشبهة بقوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ (18)} [يونس]· قال الله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ(18)} [يونس]· كيف يكونون شفعاء وهم ما بين جماد، أحجار وأشجار وأموات وجن وشياطين وطواغيت لا علم ولا إدراك عندهم {إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ (14)} [فاطر]· والشفاعة عند الله جاءت مقيدة بأن يكون الله يرضى بأن يأذن الله للشافع أن يشفع ويرضى عن المشفوع له أن يشفع له، فلا يستطيع أحد أن يتقدم بالشفاعة عند الله إلا بإذن الله {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ(255)} [البقرة]· ولا يمكن أن يشفع شافع إلا أن يكون المشفوع له ممن يرضى الله قوله وعمله {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى (28)} [الأنبياء]·
الشفاعة لله
إذن، فالشفاعة ملك لله، طلبها من الأموات والغائبين أو من الأحياء الذين وصفهم العجز طلب في غير محله وضلال وصرف خالص حق الله، فإن الشفاعة ملك لله، تطلبها من مالكها، أن يشفِّع فيك نبيه والصالحين من عباده والمشركون تعلقوا أيضاً بالوساطة فقالوا إن هؤلاء المعبودين إنما عبدناهم لنجعلهم وسائط بيننا وبين ربنا، فنحن في نفوسنا أحقر من أن ندعو الله مباشرة وأن نسأله بدون واسطة، ألا نرى في الدنيا، زعماء الدنيا وذوي الجاه منهم إذا أراد الضعيف أمراً بحث عن المقرّبين من وزراء وجلساء ومستشارين وندماء ليوصلوا إلى ذلك العظيم في الدنيا حاجة ذلك المسكين فإنه لو أتى ردَّ من الأبواب ولا بد أن يتخذ وساطة تقرّبه وتدنيه وترفع حاجته وتبلغ قضيته·
هكذا قالوا، إذن، هذه الشبهة الباطلة، هل يمكن أن نطبِّقها على رب العالمين؟ تعالى الله علواً كبيراً، الله جلّ وعلا قال: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)} [الزمر]· كون المشرك يدَّعى أن النبي والولي واسطة بينه وبين الله، هذا عين الضلال، لأن الوسيط يحتاج إليه قاصر العلم والإدراك من طبيعة الخلق، والذي لا يدري ما وراء ذلك، بل ما تحت قدمه، أما رب العالمين المحيط علمه بكل شيء والذي علم ما العباد عاملون قبل أن يخلقهم علم ما هم عاملون وكتب ذلك العلم في أم الكتاب قبل أن يخلق الخليقة بخمسين ألف سنة {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (61)} [يونس]· إذن فالواسطة يحتاج المخلوق إليها لأن المخلوق قد يجيب إما رجاء فيمن توسط عنده أو خوفاً منه واحتياجاً إليه، ولكن رب العالمين لا، رب العالمين حي قيوم يناديك كل لحظة ارفع كفيك إليه فتجده القريب المجيب السامع السميع، القادر على كل شيء {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (186)} [البقرة]· فهو حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، قائم بشؤون عباده {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)} [الرحمن]· فالوساطة لا محل لها لأنك لا تدعو أصم وأعمى حاشا وكلا، تدعو سميعاً قريباً مجيباً·
النبي صلى الله
عليه وسلم قال لأصحابه لما علا صوتهم بالتكبير “اربأوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً وإن الذي تدعونه أقرب لأحدكم من شراك نعله”
الدِّين الخاتم
إذن فالوساطة لا قيمة لها، لأننا إذا اتخذنا وسائط جعلنا ذلك الوسيط عدلاً لله ونداً لله وساويناه برب العالمين، فصرفنا له محبة وخوفاً ورجاءً والواجب علينا ألا نصرف شيئاً من ذلك على الحقيقة إلا لرب العالمين· وإن أحببت من أحببت، لكن المحبة الصادقة الخالصة إنما هي لربنا {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ (165)} [البقرة]· بعث الله محمداً صلى الله
عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين برسالة لكل الخليقة إنسهم وجنِّهم، عربهم وعجمهم، إلى كل من وجد على أرض البسيطة وقت مبعثه صلى الله
عليه وسلم بعثه كما بعث إخوانه الأنبياء والمرسلين، إلا أن الله جعله أكملهم رسالة لأن رسالته عامة للخلق، كل أتباع الأنبياء وغيرهم وجب عليهم الخضوع لشريعته والانضواء تحت لوائه والسمع والطاعة له “لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار” والله يقول له: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً } [الأعراف: 158]
بعد مضي أربعين من عمره والأرض قد طبَّقها الجهل والضلال واختفت الملة الحنيفية والصراع بين الديانات إذ ذاك قائم بين اليهود والنصارى وما بين الوثنيين والنصارى إلى غير ذلك، صراع بين الحضارات والديانات قائم والعرب في جزيرة العرب في جهل مطبق وضلال مبين لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ولا يميزون بين حق وباطل في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء·
بعث الله هذا النبي الكريم ونبأه باقرأ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)} [العلق]· بعثه ليدعو العرب إلى عبادة الله، لأن العرب إذ ذاك كانوا في جهل عظيم، فيهم المعبودات المتعددة، اللات والعزى ومناة وغيرهما وغيرهما أشجاراً وأحجاراً، من يعبد الشمس، ومن يعبد القمر وعزيراً والمسيح، من يعبد الملائكة ومن يعبد الجن، من يعبد الأشجار والأحجار وكل ضلال عنده· جاءهم محمد بن عبدالله، فابتدأ دعوته سراً لم يثق به قومه، ممن له بهم علاقة وصلة مودة ومحبة، وكان رأسهم الصديق فابتدأ به فقبل الحق وشرح الله صدره فآمن بالله ورسوله وأخلص لله في عبادته· وأسلم علي من الصبيان وخديجة زوجه وزيد مولاه وبلال مولى الصديق وتتابع المسلمون الواحد تلو الواحد·
توحيد المعبود
ما كانت دعوة النبي لهم؟ كانت دعوته لهم كما قال أبو سفيان لهرقل لما سأله عن دعوته لهم، قال: يقول لنا اعبدوا الله ودعوا ما كان يعبد أسلافكم وآباؤكم· والله جلَّ وعلا أنزل
عليه القرآن، فيه الأمر بعبادة الله {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ (36)} [النساء] {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (23)} [الإسراء] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} [البقرة]· آيات القرآن في توحيد العبادة، في الأمر بها وبيان نتائج هذا التوحيد وأنه إذا استقر في القلب واستنار به القلب صلحت به الأعمال وانقادت الجوارح طاعة لله·
أمرهم بأن قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، فماذا كان الجواب؟ {َجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} [ص]· هم عرب يعلمون حقائق الكلام ومآلاته فهم لما قال لهم: قولوا لا إله إلا الله، أبوا أن ينطقوا بها، لو يعلمون أن مجرد التكلم يكفي لقالوه، لكن يعلمون ملتزماتها وأنها توحيد المعبود وقصره على علام الغيوب وأنه لا معبود بحق إلا الله وأنها تنفي كل معبود من دون الله وتجعل كل معبود من دون الله لا وجود له، لا إله إلا الله، ولذا قال الله تعالى في سورة الصافات {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)}· {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ (36)} [الصافات] {بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37)} [الصافات] · فهم يقولون إذا قلنا لا إله إلا الله، جعلنا هذا الشاعر المجنون يدعونا إلى أن نترك ما كان يعبده آباؤنا ونوحّد العبادة ولا نجعل آلهة متعددة، ولذا قال النبي صلى الله
عليه وسلم لحصين أبي عمران، كم تعبد قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: من تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال من في السماء، قال: إن أسلمت علمتك كلمات، فأسلم فقال: قل اللهم الهمني رشدي وقني نفسي”
بيَّن الله في كتابه موقف الأنبياء والمرسلين من كل من عبدهم من دون الله، وموقف الملائكة والصالحين· قال الله: {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)} [المائدة]· هذه دعوة عيسى ونشهد له بذلك والملائكة إذا قال الله لهم {قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ (41)} [سبأ]·
عباد أمثالكم
كذلك يتبرأ كل معبود ممن عبده، {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166)} [البقرة]· دعا المصطفى صلى الله
عليه وسلم إلى توحيد الله وجاهد وجالد المشركين بلسانه وصبره وثباته وهم يعاندونه ويضادونه ويقولون تريد أن تجعل الإله واحداً وهو يدعوهم إلى إخلاص الدين لله وإقرار الله بالعبادة، وألا يكون مع الله شريك في دعاء ولا في رجاء ولا في خوف ولا استغاثة ولا استعانة ولا نذر ولا ذبح، لا بد أن يكون العبد عبداً لربه خالصاً لا شريك له في ذلك والله يقول: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ (28)} [الروم]· لا يمكن، عبدك لا يمكن أن يكون شريكاً لك في ملكك، إذن كلنا عبيد لله، لماذا نأخذ أحدنا وندعوه، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء (21)} [النحل]· {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (194)} [الأعراف]·
بل الله فاعبد
التوسل، يأتي المشركون المتأخرون ويقولون نحن لم نشرك نعتقد أن الله الخالق الرازق وأن محمداً حق والبعث بعد الموت حق ونؤمن بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر، لكننا نقول هؤلاء الصلحاء يسمع الله منهم ما لا يسمع منا، ويقبل الله منهم ما لا يقبل منا·· نقول كل هذا كذب وكل هذا باطل، فالخلق كلهم عبيد الله، وكلهم خاضعون لله وأقربهم منه من كان أطوعهم له وأخضعهم له، فاخضعوا لربكم وأطيعوه لتكونوا مثل هؤلاء أو أفضل منهم، هؤلاء المشركون قالوا إنما نزل القرآن في مشركي قريش الذين يزنون ويشربون الخمر وغير ذلك، لا، نصلي ونصوم ونحج، نقول كل ما فعلتم لا ينفعكم إذا لم يكن التوحيد خالصاً لله، فإن جميع عباداتكم باطلة ولذا قال الله: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ (66)} [الزمر]· وقال: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (88)} [الأنعام]· وقال: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء(23) } [الفرقان]· الآن عبّاد القبور وسدنة القبور الذين يدعون الناس للطواف بها وذبح القرابين لها والاستغاثة بساكنيها وطلب المدد منهم، هؤلاء -والعياذ بالله- قست قلوبهم واستمرأت الشرك وألفت الباطل، فإذا دعوتهم إلى توحيد الله وإخلاص الدين لله وأن العبادة حق لربنا وخالقنا ورازقنا ومميتنا ومحيينا ومن بيده خيرا الدنيا والآخرة، سخروا منك وقالوا: أنت الوهابي وأنت الرجعي أو أنت المتخلف أو أنت كذا وأنت كذا لأنهم يريدون أن يبقوا على ضلالهم وعلى باطلهم من تعظيم تلك القبور وساكنيها ليستغلوا بها عواطف العامة ويجنوا وراءها الأموال، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن ما هم
عليه باطل·
تعلّم التوحيد
أيها الإخوة، إن الاهتمام
بالتوحيد تعلماً وعلماً أمر
عظيم الشأن فلا تغفل عنه· ألم تسمعوا الله يقول لنبيه {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ (19)} [محمد]· والله يقول: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)} [الأنعام]· ألم تسمعوا لقمان
عليه السلام يقول لإبنه: {َيا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13)} [لقمان]· ألم تسمعوا الخليل يقول: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (35)} [إبراهيم]·
فتعلم التوحيد أمر فرض وتعليمه للنشء وإيضاح دعوة محمد صلى الله
عليه وسلم ودعوة المرسلين بأوجز عبارة ليفهم المسلم حقيقة التوحيد الذي لأجله خلق الله الخلق، والاهتمام بتدريسه وتعليمه وانتصاب الدعاة دعاة إليه وجعل التوحيد في مبدأ خطابهم ومنتهاه، ومن خلال ما يقولون بأن الدعوة إلى هذا التوحيد مما يقوّي الإيمان في القلب ولذا اهتم النبي صلى الله
عليه وسلم
بالتوحيد في أول دعوته وآخرها وهو يعالج كرب السياق ويقول: “لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد” تقول عائشة: يحذر ما صنعوا ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً” وهو القائل: “اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد” اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد·
وسلف الأمة على هذا المنهج القويم بالدعوة إلى التوحيد والعناية به والاهتمام به وجعله أهم الواجبات ولا سيما العلماء المتأخرين، العلماء السابقون الشرك عندهم نادر، لكن بعد القرون المفضلة انتشر الشرك على أيدي دعاة الوثنية ومن نشأوا في أطراف البلاد على جهل وضلال فنشروا الشرك وعمروا القبور ودعوا الناس لعبادتها وتعظيمها وأعادوا ما كانت
عليه الجاهلية الأولى، فبدأ علماء الإسلام يقررون التوحيد ويهتمون به أعظم اهتمام· وإذا نظرنا إلى ابن تيمية وابن قيم الجوزية وكتبهما ومؤلفاتهما وكيف كانوا دعاة إلى التوحيد ودعاة إلى الخير ومحاربين للشرك ووسائله وذرائعه لرأيت العجب العجاب، وما دعوة الشيخ محمد -رحمه الله- إلا امتداد لهذا المبدأ العظيم وهذا المنهج الكريم، فإنه -رحمه الله- لما وفَّقه الله لفهم الكتاب والسنّة ورأى ما
عليه قومه وأهل بلده من انحراف عقدي من شرك ودعاء غير الله وطواف بالقبور وعكوف عندها وذبح لها، دعاهم إلى توحيد الله وأوضح لهم الدليل وأقام عليهم الحجة فاستجاب له من استجاب ووقف أمام دعوته متحدياً بعض علماء عصره ولكن الله يعلي دينه {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)} [التوبة]·
لقد ألَّف الشيخ “كتاب التوحيد” أربعاً وستين باباً في بيان الشرك الأكبر والأصغر وما يضاده وما ينقصه، وألَّف “كشف الشبهات” وضع فيها شبه المشركين القديمة والحديثة وقارن بينها وبيَّن وكشف الباطل وأحق الحق بكتاب موجز في لفظه شرحناه في العام الماضي من خلال دورة هذه المؤسسة المباركة، وألَّف “مسائل الجاهلية” التي خالف فيها النبي صلى الله
عليه وسلم الجاهلية وألَّف “الأصول الثلاثة” و”القواعد الأربعة” وكثير من رسائله ومؤلفاته، كلها في التوحيد، سار
عليه تلاميذه، أبناؤه وتلاميذهم ومن سار على نهجهم إلى هذا
الزمن وقد واكب هذه الدعوة أنصار الحق الإمام محمد بن سعود وعقبه أبقى الله بالجميع الخير والصلاح·
عداء للشرك
عظيم
فيا إخواني الدعاة، اجعلوا التوحيد أصل كل شيء، لا تقولوا التوحيد معروف، لا، هو معروف ولكن هذا المعروف لا بد أن يبدأ ويعاد فيه حتى يستقر في النفس فيعرف المسلم الحق من الباطل، قال شيخ الإسلام لما تكلم على قضية الذين قالوا للنبي “اجعل لنا ذات أنواط” قال فيه: إن المنتقل من الشرك إلى التوحيد قد يكون في قلب نفسه بقايا من بقايا الشرك” فلا بد من تحقيق التوحيد، يقول شيخ الإسلام لما تكلم عن الخوف من الشرك قال: “إن الشرك لا يخاف منه حقاً إلا من شهده وعرفه لأن الإنسان لا يعرف قدر الصحة إلا بالمرض ولا قدر الفاقة إلا بالغنى ولا قدر الجهل إلا بالعلم” ولهذا لما كان الصحابة عايشوا الجاهلية والإسلام كان بغضهم الشرك وعداؤهم له
عظيم وأورد أثر “إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية”
فيا دعاة الإسلام حققوا التوحيد، اقرأوا “كتاب التوحيد” و”كشف الشبهات”، اقرأوا “لمعة الاعتقاد” لابن قدامة· و”العقيدة الوسطية” لابن تيمية، ومؤلفات علماء الإسلام الذين ألّفوا في هذا المقام العظيم وأزالوا الشرك وحققوا التوحيد·
